القرطبي

180

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

من الأمة . حكاه القاضي أبو بكر بن العربي في « سراج المريدين » . وغير الشهيد بخلاف هذا الوصف إنما يملأ عليه قبره خضرا ويفسح له فيه . وقوله : « نسمة المؤمن » أي روح المؤمن الشهيد ، يدل عليه قوله في نفس الحديث : « حتى يرجعه اللّه تعالى إلى جسده يوم القيامة » . الثالث : فإن قيل : فقد جاء أن الأرواح تتلاقى في السماء ، والجنة في السماء ، يدل عليه قوله عليه السلام : « إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء » وفي رواية « أبواب الجنة » « 1 » قلنا : لا يلزم من تلاقي الأرواح في السماء أن يكون تلاقيها في الجنة ، بل أرواح المؤمنين - غير الشهداء - تارة تكون في الأرض على أفنية القبور ، وتارة في السماء لا في الجنة . وقد قيل : إنها تزور قبورها كل يوم جمعة على الدوام ، ولذلك تستحب زيارة القبور ليلة الجمعة ، ويوم الجمعة ، وبكرة السبت فيما ذكر العلماء - واللّه أعلم « 2 » . قال ابن العربي : وبحديث الجرائد يستدل الناس على أن الأرواح في القبور تعذّب أو تنعّم ، وهو أبين في ذلك من حديث ابن عمر في الصحيح : « إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ » ، لأن عرض مقعده ليس فيه بيان عن موضعه الذي يراه منه ، وحديث الجرائد نص على أن أولئك يعذّبون في قبورهم ، وكذلك حديث اليهود . قلت : ويحتمل على ما ذكرناه - واللّه أعلم - : أن يكون قوله عليه السلام : « ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا وروحه في قبره إلا عرفه ورد عليه السلام » حتى لا تتناقض الأخبار . واللّه أعلم . الرابع : فإن قيل : فقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل اللّه ثم أحيي ، ثم قتل ، ثم أحيي ، ثم قتل ، وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه » « 3 » ، وهذا يدل على أن بعض الشهداء لا يدخلون الجنة من حين القتل ، ولا تكون أرواحهم في جوف طير ، ولا تكون في قبورهم فأين تكون ؟ قلنا : قد خرّج ابن وهب بإسناده عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الشّهداء على بارق نهر بباب الجنة يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا » « 4 » . فلعلهم هؤلاء أو من منعه من

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 1898 ، 1899 ، 3277 ) ، ومسلم ( 1079 ) . ( 2 ) لم يرد بهذا دليل ، واللّه أعلم . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 5 / 289 - 290 ) والنسائي ( 7 / 14 ) ، وحسّنه الألباني في « صحيح سنن النسائي » ( 4367 ) . ( 4 ) أخرجه أحمد ( 1 / 266 ) وحسّنه الألباني في « صحيح الجامع » ( 3742 ) .